الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

191

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إليه فالحدث إنما يحمل على فاعليه من حيث كونه على وجه الفور فيحصل بالطلب المفروض المستفاد من هيئة الأمر أمران طلب للفعل وطلب للفور فالفورية بملاحظة الأوّل من حيث دلالة الهيئة عليه ملحوظة آلة ومرآتا إلا أنه بالملاحظة الثانية ملحوظة استقلالا كما هو الحال في نفس الطلب اللازم من ذلك تقييد المطلوب أيضا ولو أخذت أولا قيدا للمطلوب كانت ملحوظة على وجه الاستقلال من أول الأمر كما هو الحال في نفس الطلب اللازم من ذلك تقييد المطلوب أيضا ولو أخذت أولا قيدا للمطلوب كانت ملحوظة على وجه الاستقلال من أول الأمر كما هو الحال في المطلوب المتقيد به ويلزم ذلك من تعلق الطلب بها أيضا إلا أن ذلك لا يلائم وضع الهيئة وكيف كان فعلى كل من الوجهين فإما أن ينحل ذلك إلى طلبين أو مطلوبين أو يكون هناك طلب أو مطلوب واحد متقيد بذلك من غير أن ينحل ذلك إلى طلبين أو مطلوبين فلا بقاء لمطلق طلب الفعل مع انتفاء ذلك القيد والظاهر أن ذلك مبنى النزاع في المقام فالمختار عند جماعة هو عدم ارتباط طلب الفور لطلب الفعل نظرا إلى أن المنساق من الأمر في المقام هو كون الفعل مطلوبا مطلقا غاية الأمر أن يفيد الأمر وجوب الفور أيضا وعليه مبنى الاستدلال المذكور والمختار عند آخرين تقييده بكون الطلب والمطلوب هنا شيئا واحدا حتى إنه لو قلنا به لفظا عدّ مجموع القيد والمقيد شيئا واحدا فينتفي المقيد والمقيد بفوات قيده على ما هو التحقيق والأوضح في المقام هو الوجه الأول وإن كان المنساق من تقييده به في اللفظ هو الاتحاد والانتفاء بانتفاء القيد نظرا إلى أن ما ذكر هو المفهوم من الأمر عرفا لو قلنا بدلالة الأمر على الفور فالمنساق فيه بحسب فهم العرف هو انحلال المطلوب إلى أمرين من مطلق الفعل وخصوصية الفور إذ مع امتثاله للفور لا يسقط مطلق طلب الفهم في فهم العرف فالمفهوم منه عرفا كون مطلق الفعل مطلوبا للأمر على كل حال وإن كانت الفورية أيضا مطلوبه سيما إذا فسرنا الفور بالتعجيل في حصول المأمور به مطلقا بأن يفيد مطلوبية الفور مندرجا ولو بالنسبة إلى الأزمنة المتأخرة إذ حينئذ يتعين فيه الوجه المذكور من غير مجال للاحتمال الآخر وما ذكرنا في الحجة المذكورة من أن الأمر يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق يعني أن مفاد الأمر بحسب العرف هو كون الفعل مطلوبا من المأمور به مطلقا مرادا منه إيقاعه سواء أتى به فورا ليحصل به مطلوبه الآخر أعني الفور أو أتى به متراخيا فمطلوب الأمر لا يفوت بفوات الفورية في فهم العرف فيظهر من ذلك انحلال الطلب المذكور إلى أمرين وعدم كون المطلوب شيئا واحدا ليفوت بفوات القيد حسبما هو الظاهر فيما إذا ذكر القيد كما في الموقت وكان الوجه فيه ما أشرنا إليه من كون الفور في المقام معنى حرفيا غير مأخوذ قيدا على نحو قولك صم غدا فلا يتبادر منه في المقام ما يتبادر من تلك اللفظة وكيف كان فالمتبع فهم العرف وهو الفارق بين المقامين فظهر أن ما يذكره المصنف من لزوم اختيار القول بفوات مطلوبية الفعل بفوات القيد على القول بدلالة الصيغة على الفور ليس على ما ينبغي وقد عرفت من شهادة العرف بخلافه قوله افعل في الآن الثاني من الأمر ظاهر ذلك تفسير الفور بالزمان المتعقب للأمر مطلقا كما مرت الإشارة وما ذكر من جريان الأمر المطلق حينئذ مجرى التصريح بذلك ممنوع بعد ظهور الاختلاف منها في فهم العرف مضافا إلى ما عرفت من الوجه في الفرق بينها قوله وبنى العلامة ره الخلاف ما ذكروه راجع إلى ما ذكرناه من الوجهين وقد اعتبر الفورية مطلوبة بحسب مراتبها فينحل الأمر المطلق المتعلق بالفعل إلى ما ذكره من التفصيل وإلا فلا وجه لدعوى كون التفصيل المذكور بما وضعت الصيغة بإزائه فمقصوده بذلك ابتناء المسألة على معرفة مفاد الصيغة في فهم العرف من الوجهين المذكورين ولا ابتناء له على غيره من الرجوع إلى الاستصحاب أو غيره ولذا فرع على ذلك قوله فالمسألة لغوية قوله وهو وإن كان صحيحا إلا أنه قليل الجدوى أراد بذلك أن ابتناء القولين المذكورين على المعنيين صحيح لا غبار عليه لكن لا ثمرة في ذلك إذ المقصود في المقام تعيين أحد الوجهين وإلا فيحصل مفهومين ملزومين بطرفي الخلاف مما يمكن في كل خلاف ولا ثمرة فيه بعد خفاء المبنى على نحو خلاف الأصل وأورد عليه المدقق المحشي بأن ما سلمه من صحة البناء ممنوع واستلزام المعنى الأول لما بني عليه وإن كان ظاهرا إلا أن تفريع الثاني على الثاني غير ظاهر لاحتمال أن يقال بالأول بناء على الوجه الثاني أيضا حسبما قيل في الموقت من عدم توقف القضاء على الأمر الجديد وإذا احتمل القول الأول على الوجه الثاني بطل ما ذكر من المبنى إذ لا يبتني القول الأول على الوجه الأول ولا يستلزم الوجه الثاني للقول بالثاني ويمكن دفعه بأن مقصود العلامة رحمه الله كون الخلاف في المقام في مدلول الصيغة بحسب اللغة أنها هل يفيد لفظا بقاء المطلوب بعد فوات الفور أو أنها لا تفيد إلا وجوب الفعل فورا ولا دلالة فيها كذلك على وجوب الفعل بعد ذلك ولذا قال إن المسألة لغوية وحينئذ فالقول ببقاء الوجوب من جهة الاستصحاب كما هو مقتضى الاحتمال المذكور مما لا ربط له بمدلول الصيغة حسبما جعله محل الكلام وأنت بعد التأمل فيما ذكرنا تعرف اندفاع ما أورده المصنف عليه من قلة الجدوى فإن مقصود العلامة بذلك بيان كون النزاع في ذلك مبنيا على تعيين معناه اللغوي من الوجهين المذكورين فيرجع في التعيين إلى العرف واللغة كما نص بقوله فالمسألة لغوية مريدا بذلك بيان الموضوع فيه العرف واللغة دون غيرهما من الوجوه العقلية وليس مقصوده بذلك بيان الحق في المقام ليرد عليه أنه لا يتم ذلك بمجرد ما ذكره بل لا بد من بيان مدرك الوجهين ليتضح به الوجه فيما هو الحق في المقام قوله ليس له عن القول بسقوط الوجوب قد عرفت عدم لزوم التزام القائل المذكور به وقياسه على التقييد الصريح فاسد بعد ملاحظة فهم العرف قياس وجوب الفعل والفور بلفظ واحد لا يقتضي تقييد أحدهما بالآخر سيّما بعد ما عرفت من كون الفورية كالوجوب معنى حرفيا رابطيا وخصوصا إذا قلنا بكون الفور المفهوم من الصيغة هو لزوم التعجيل فيه مطلقا فإنه يلزم بقاء طلب الفعل فكون مدلول الصيغة على القول بالفور بمنزلة أن يقال أوجبت عليك الشيء الفلاني في أول أوقات الإمكان محل منع كيف ولو كان كذلك لزم على القول ببقاء التكليف بعد فوات الفور سقوط اعتبار الفورية في بقية المدة وهو خلاف المعروف